الشوكاني
53
فتح القدير
الزمني في أكلهم من بيوت أقاربهم أو بيوت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج للغزو . قال النحاس : وهذا القول من أجل ما روي في الآية لما فيه من الصحابة والتابعين من التوقيف . وقيل إن هؤلاء المذكورين كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء حذارا من استقذارهم إياهم وخوفا من تأذيهم بأفعالهم فنزلت . وقيل إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر ، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به القدرة الكاملة على المشي على وجه يتعذر الإتيان به مع العرج ، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه . وقيل المراد بهذا الحرج المرفوع عن هؤلاء هو الحرج في الغزو : أي لا حرج على هؤلاء في تأخرهم عن الغزو . وقيل كان الرجل إذا أدخل أحدا من هؤلاء الزمني إلى بيته فلم يجد فيه شيئا يطعمهم إياه ذهب بهم إلى بيوت قرابته ، فيتحرج الزمني من ذلك فنزلت . ومعنى قوله ( ولا على أنفسكم ) عليكم وعلى من يماثلكم من المؤمنين ( أن تأكلوا ) أنتم ومن معكم ، وهذا ابتداء كلام : أي ولا عليكم أيها الناس . والحاصل أن رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض إن كان باعتبار مؤاكلة الأصحاء ، أو دخول بيوتهم " ولا على أنفسكم " متصلا بما قبله ، وإن كان رفع الحرج عن أولئك باعتبار التكاليف التي يشترط فيها وجود البصر وعدم العرج وعدم المرض ، فقوله " ولا على أنفسكم " ابتداء كلام غير متصل بما قبله . ومعنى ( من بيوتكم ) البيوت التي فيها متاعهم وأهلهم فيدخل بيوت الأولاد كذا قال المفسرون ، لأنها داخلة في بيوتهم لكون بيت ابن الرجل بيته ، فلذا لم يذكر سبحانه بيوت الأولاد وذكر بيوت الاباء وبيوت الأمهات ومن بعدهم . قال النحاس : وعارض بعضهم هذا فقال : هذا تحكم على كتاب الله سبحانه بل الأولى في الظاهر أن يكون الابن مخالفا لهؤلاء . ويجاب عن هذه المعارضة بأن رتبة الأولاد بالنسبة إلى الآباء لا تنقص عن رتبة الآباء بالنسبة إلى الأولاد ، بل للآباء مزيد خصوصية في أموال الأولاد لحديث " أنت ومالك لأبيك " وحديث " ولد الرجل من كسبه " ثم قد ذكر الله سبحانه هاهنا بيوت الإخوة والأخوات ، بل بيوت الأعمام والعمات ، بل بيوت الأخوال والخالات ، فكيف ينفي سبحانه الحرج عن الأكل من بيوت هؤلاء ، ولا ينفيه عن بيوت الأولاد ؟ وقد قيد بعض العلماء جواز الأكل من بيوت هؤلاء بالإذن منهم . وقال آخرون : لا يشترط الإذن . قيل وهذا إذا كان الطعام مبذولا ، فإن كان محرزا دونهم لم يجز لهم أكله . ثم قال سبحانه ( أو ما ملكتم مفاتحه ) أي البيوت التي تملكون التصرف فيها بإذن أربابها ، وذلك كالوكلاء والعبيد والخزان ، فإنهم يملكون التصرف في بيوت من أذن لهم بدخول بيته وإعطائهم مفاتحه . وقيل المراد بها بيوت المماليك . قرأ الجمهور " ملكتم " بفتح الميم وتخفيف اللام . وقرأ سعيد بن جبير بضم الميم وكسر اللام مع تشديدها . وقرأ أيضا " مفاتيحه " بياء بين التاء والحاء . وقرأ قتادة " مفاتحه " على الإفراد ، والمفاتح جمع مفتح ، والمفاتيح جمع مفتاح ( أو صديقكم ) أي لا جناح عليكم أن تأكلوا من بيوت صديقكم وإن لم يكن بينكم وبينه قرابة ، فإن الصديق في الغالب يسمح لصديقه بذلك وتطيب به نفسه ، والصديق يطلق على الواحد والجمع ، ومنه قول جرير : دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا * بأسهم أعداء وهن صديق ومثله العدو والخليط والقطين والعشير ، ثم قال سبحانه ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا ) من بيوتكم ( جميعا أو أشتاتا ) انتصاب جميعا وأشتاتا على الحال . والأشتات جمع شت ، والشت المصدر : بمعنى التفرق ، يقال شت القوم : أي تفرقوا ، وهذه الجملة كلام مستأنف مشتمل على بيان حكم آخر من جنس ما قبله : أي ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم مجتمعين أو متفرقين ، وقد كان بعض العرب يتحرج أن يأكل وحده حتى يجد له أكيلا يؤاكله فيأكل معه ، وبعض العرب كان لا يأكل إلا مع ضيف ، ومنه قول حاتم :